اسماعيل بن محمد القونوي
341
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
اخره قد مر الكلام فيه وقيل إن لكل واحد تمنى موته لإعلاء كلمة اللّه تعالى وتقوية سائر المسلمين ولم يجتمعوا في تمني الموت حتى يلزم غلبة الكفار وهذا لا يلائم قوله إن لكل واحد تمنى موته لأنه مستلزم لاجتماعهم فالأولى ما ذكرناه آنفا من أن ذلك التمني لإحرازهم كرامة الشهادة ولإعلاء كلمة اللّه تعالى وتقوية سائر المسلمين إذ الظاهر أن كل واحد يتمنى موته لا موت غيره معه كيف وقد ورد التحريض على الشهادة في الأخبار والآثار والشيخ الزمخشري دفع الإشكال المذكور بأن قصد متمني الشهادة إلى نيل كرامة الشهداء ولا يخطر بباله ذلك المتضمن كما أن من يشرب دواء الطبيب النصراني قاصدا إلى حصول المأمول من الشفاء ولا يخطر بباله أن فيه جر منفعة وإحسان إلى عدو اللّه انتهى . وهذا كلام على التنزل وإلا فلا تلازم بين تمني الشهادة وغلبة الكفار . قوله تعالى : [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 144 ] وَما مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ( 144 ) قوله : ( فسيخلو كما خلوا بالموت أو القتل ) هذا ناظر بالرسل المتقدمين ومعنى فسيخلو أي بالموت دون القتل ولو جعل قيدا لقوله فسيخلو لكان المراد بالقتل القتل الذي توهموه وهذا أوفق لقوله : أَ فَإِنْ ماتَ [ آل عمران : 144 ] أو قتل أو المراد بالقتل القتل المفروض فلا يستلزم الوقوع كما بعينه كلمة أن وهذه الكلمة الشك بالنسبة إلى الموت المحقق لمشاكلة القتل أو بالنسبة إلى المخاطبين لاستعظامهم موته عليه السّلام والظاهر من كلامه أنه جعل قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ [ آل عمران : 144 ] صفة لرسول فيكون القصر قلبا لأنهم لما انقلبوا على أعقابهم فكأنهم اعتقدوا أنه رسول لا كسائر الرسل في أنه لا إلى آخره علة للتوبيخ على تمني الشهادة أي على تمني أن يستشهد في سبيل اللّه وفي الكشاف فإن قلت كيف يجوز تمني الشهادة وفي تمنيها تمني غلبة الكافر على المسلم قلت قصد متمني الشهادة إلى نيل كرامة الشهداء لا غير ولا يذهب وهمه إلى ذلك المتضمن كما أن من يشرب دواء الطبيب النصراني قاصدا إلى حصول المأمول من الشفاء ولا يخطر بباله أن فيه جر منفعة وإحسان إلى عدو اللّه وتنفيقا لصناعته قالوا تحقيقه أن فعل الخير وطلبه إذا كان مما يعرض به شر لا يعبأ به لا يترك فإن ترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شر كثير . قوله : فسيخلوا كما خلوا أي فسيمضي كما مضوا قالوا إن كانت جملة قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ [ آل عمران : 144 ] وصفا لرسول كان القصر المستفاد من ما وإلا قصر قلب لأن القوم لما انقلبوا على أعقابهم اعتدوا أنه رسول لا كسائر الرسل في أنه يخلو كما خلوا ويجب التمسك بدينه بعده كما يجب التمسك بدينهم بعدهم ولعل في قوله فسيخلوا كما خلوا إشعار بأن القصر قصر قلب وأما إن كانت هذه الجملة ابتداء كلام لا وصفا كان القصر قصر إفراد كما صرح به صاحب المفتاح بأنه قصر إفراد إخراجا للكلام لا على مقتضى الظاهر بتنزيل استعظامهم هلاكه منزلة استبعادهم إياه وإنكارهم حتى كأنهم اعتقدوا فيه وصفين الرسالة والتبرؤ عن الهلاك فقصر على الرسالة نفيا للتبرء عن الهلاك .